ماذا عساه أن يقول ابن غوطة دمشق؟

  الكاتب:حمزة عليان

  المصدر: جريدة الجريدة

  تاريخ نشر المقال:03/03/2025

حمزة عليان:

ماذا عساه أن يفعل أمين محفوظ (ابن غوطة دمشق) وهو يعود مُقعداً على كرسي متحرك من الكويت بعد أن بلغ الثانية والتسعين من عمره؟ ماذا عساه أن يقول بعد أن صار الكلام متعثّراً على لسانه، منحني الظهر، وهو يطالع من بقي بذاك الحي الذي خرج منه وهو في العاشرة من عمره حين بدأ برسم آباء وأجداد الموسرين من ذاك الحي ونسخ صورهم بالفحم الأسود أو البني، من خلال صورة الهوية الرديئة؟ عندما ودّعه صاحب العطاء الإنساني الرائع، الصديق خالد البراك، الذي كانت له وقفة رجل فاضت نفسه بالكرم والنخوة، تعهّد له بأن يوفر ما يحتاجه في كبره، وهو العليل من مرض ألمّ به أخيراً، وكان إلى جانبه صديق الرياضة محمد جبر، وكنا ملازمين له مع الصديق النبيل راشد أحمد الهارون وابنة شقيقه أمين الوحيدة من أقربائه، رانية بصبوص، بعد أن عاش على هذه الأرض نحو 65 عاماً. أمين محفوظ الرسام التشكيلي الذي قضى سنوات عمره وحيداً في الكويت، بدأ رحلته بتلفزيون الكويت عند تأسيسه منذ عام 1961 يمارس مهنة الرسم لعشرين عاماً كموظف، يوم كان المرحوم خالد المسعود يتبوأ منصب المدير. ترك دمشق بعد أن التحق بالتلفزيون السوري أثناء الوحدة عام 1958 وبعد تخرّجه في دار المعلمين، ذهب إلى التدريس رساماً، وكان من رواد كلية الفنون الجميلة مع كبار الرسامين. أحب‭ ‬غوطة‭ ‬دمشق‭ ‬ورسم‭ ‬بساتينها‭ ‬التي‭ ‬نشأ‭ ‬فيها، ‭ ‬وعُرضت‭ ‬لوحاته‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬الربيع‭ ‬الذي‭ ‬يقام‭ ‬كل‭ ‬سنة‭ ‬بمتحف‭ ‬دمشق‭ ‬مع‭ ‬كبار‭ ‬الفنانين‭ ‬السوريين، ‭ ‬أمثال‭ ‬الأساتذة‭ ‬محمود‭ ‬جلال، ‭ ‬ونصير‭ ‬شورى، ‭ ‬وناظم‭ ‬الجعفري، ‭ ‬وفاتح‭ ‬المدرس، ‭ ‬وكانت‭ ‬الشروط‭ ‬قاسية‭ ‬للاشتراك‭ ‬بهذا‭ ‬المعرض‭ ‬في‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي، ‭ ‬وقد‭ ‬بيعت‭ ‬كل‭ ‬لوحاته‭ ‬التي‭ ‬عرضها‭ ‬آنذاك‭.‬ وبعدما ‬ساءت‭ ‬أحواله‭ ‬الصحية منذ سنوات، ‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬التوجه‭ ‬نحو ‬‮«مايو‭ ‬كلينيك‮»‬ ‬للعلاج‭ ‬من‭ ‬السرطان‭ ‬المتقدّم، ‭ ‬انتهت‭ ‬به‭ ‬للدخول‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬التغذية‭ ‬الصحية‭ ‬على‭ ‬طريقة ‭ ‬‮«مايكروباتيك‮» ‬‭‬وممارسة‭ ‬الرياضة، ‭ ‬وهي‭ ‬عادة‭ ‬لم‭ ‬ينقطع‭ ‬عنها‭ ‬منذ‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنة، ‭ ‬خاصة‭ ‬السباحة‭ ‬الشتوية‭ ‬مع‭ ‬الصديقين‭ ‬الدائمين‭ ‬جورج‭ ‬مجاعص‭ ‬وكاتب‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭.‬ كانت‭ ‬إقامته‭ ‬للعلاج‭ ‬في ‭‬‮«‬مايو‭ ‬كلينيك‮» ‬‭‬بمدينة‭ ‬روتشستير، ‭ ‬واحتكاكه‭ ‬بالمجتمع‭ ‬الأميركي، ‭ ‬طوال‭ ‬3‭ ‬سنوات، ‭ ‬كفيلة‭ ‬بأن‭ ‬ينتج‭ ‬لوحات‭ ‬من‭ ‬وحي‭ ‬البيئة‭ ‬والطبيعة‭ ‬الأميركتين، ‭ ‬فقد‭ ‬لاقت‭ ‬لوحاته‭ ‬استحسانا‭ ‬وقبولا ‬عند‭ ‬عرضها‭ ‬للجمهور، ‭ ‬وتلك‭ ‬الرحلة‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭.‬ ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬رحلة‭ ‬العلاج‭ ‬والعطاء‭ ‬الفني‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد، ‭ ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1998‭ ‬وأثناء‭ ‬علاجه‭ ‬من‭ ‬السرطان‭ ‬المتقدم‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬مايو‭ ‬كلينيك، ‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يئس‭ ‬الأطباء‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬شفائه، ‭ ‬كان‭ ‬يركض‭ ‬يوميًا‭ ‬مدة‭ ‬ساعة، ‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬يردد‭ ‬أمام‭ ‬أصدقائه ‭‬‮«‬أدعو‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬أموت‭ ‬وأنا‭ ‬راكض‭ ‬فوق‭ ‬العُشب‭ ‬الأخضر‭ ‬وفي‭ ‬الهواء‭ ‬الطلق، ‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬أموت‭ ‬على‭ ‬سرير‭ ‬المستشفى‮».‬‭‬ أقام‭ ‬محفوظ‭ ‬معرضًا‭ ‬له‭ ‬بالمتحف‭ ‬الوطني‭ ‬الكويتي‭ ‬(قرب‭ ‬قصر‭ ‬دسمان)‭ ‬في‭ ‬السبعينيات، ‭ ‬وكان‭ ‬برعاية‭ ‬وكيل‭ ‬وزارة‭ ‬الإعلام وقتها، ‭ ‬سعدون‭ ‬الجاسم، ‭ ‬وحضره‭ ‬مدير‭ ‬التلفزيون‭ ‬محمد‭ ‬السنعوسي‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬السفراء‭ ‬الأجانب، ‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬الملحق‭ ‬الثقافي‭ ‬الفرنسي‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬شهادة‭ ‬الدكتوراه‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الفن، ‭ ‬وقد‭ ‬اشترى‭ ‬لوحة، ‭ ‬وكتب‭ ‬كلمة‭ ‬عن‭ ‬اللوحات‭ ‬في‭ ‬المعرض، ‭ ‬واصفًاً ‬إياها‭ ‬بأنها ‭ ‬‮«تتميز‭ ‬بالشفافية‭ ‬وروح‭ ‬الشرق‮»‬، ‭ ‬وقد‭ ‬بيعت‭ ‬أكثر‭ ‬اللوحات‭.‬ أمين‭ ‬محفوظ‭ ‬من‭ ‬ذاك‭ ‬الرعيل‭ ‬الذي‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭ ‬الانطباعية، ‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬فاتحة‭ ‬الفن‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬باريس‭.‬هويته‭ ‬الفنية‭ ‬مطبوعة‭ ‬بلوحاته‭ ‬الإبداعية، ‭ ‬فالرسم‭ ‬عنده‭ ‬يأتي ‭‬‮«‬لإبراز‭ ‬جمال‭ ‬الطبيعة‮»‬، ‭ ‬وعندما‭ ‬سألناه‭ ‬عن‭ ‬معالم‭ ‬تلك‭ ‬المدرسة، ‭ ‬أجاب ‭‬‮«‬أرسم‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬جمال‭ ‬وصفاء‭ ‬هذا‭ ‬الكوكب‭ ‬الذي‭ ‬دمّره‭ ‬الإنسان، ‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬يدمره‭ ‬بالحروب‭ ‬وبالتلوث‮».‬‭‬ أما‭ ‬اللوحة‭ ‬الناجحة، ‭ ‬فهي‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظره‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تصيب‭ ‬المشاهد‭ ‬بالدهشة، ‭ ‬يصنعها‭ ‬بضربة‭ ‬فرشاته‭ ‬العفوية، ‭ ‬تمامًا‭ ‬كالقصة‭ ‬الناجحة، ‭ ‬عندما‭ ‬يعمد‭ ‬كاتبها‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ينهيها‭ ‬بصدمة‭ ‬أو‭ ‬بصعقة‭!‬ وعلى الرغم من تجاوزه التسعين من عمره، فقد بقي يمارس إبداعه اليومي. أحدث أعماله الفنية، لوحة استلهمها من الغزو العراقي وما تسبب به من دمار للبيئة تمثّلت بحرائق آبار النفط. اختار السفينة ذات الشراع مع العلم الأحمر كرمز للكويت في مواجهة الكارثة التي واجهتها وصمودها أمام العواصف، وهو ما حصل في أكثر من مفصل تاريخي. موج البحر الغاضب لا يحاكي كثبان رمال الصحراء، بل أقوى من ذلك. ماذا عساي أن أقول في وداعك يا أمين؟ كنت صديقاً وحبيباً وأخاً، لن أنسى مرافقتك وصديقي المرحوم جورج مجاعص أيام الذهاب إلى السباحة في البحر وفي عز الشتاء.

تعليقات

Facebook
Twitter

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *