حمزة عليان:
يبدو أن لإسرائيل مفهوماً جديداً وخريطة رسمتها لتكون في مأمن من أي تهديدات، ويقف من ورائها الإدارة الأميركية التي ألغت أي خطوط حمر من الممكن أن تقف حجر عثرة أو تعطل المخططات الصهيونية. وصلنا إلى مرحلة تسيّدت فيها إسرائيل كقوة رادعة لا منازع لها، انتهينا من التنظير لننتقل إلى أرض الواقع.قالها نتنياهو، سنغيّر وجه الشرق الأوسط وأقرَنَ القول بالفعل، فلا يسألن أحد منكم، ماذا نحن كعرب فاعلون، نحن ننتظر ونقف على حافة الرصيف، ثم يخلق الله ما لا تعلمون. نعم إسرائيل رسمت الخطوط الجغرافية للشرق الأوسط الجديد.نتنياهو ما غيره، كسف القاعدة التي تقول إن اللعب بالخرائط الجغرافية في الشرق الأوسط ممنوع، لأنه نجح في إعادة تشكيل جديد لموازين القوى بالمنطقة.تخطى «صفقة القرن» التي أعلنها ترامب في ولايته الأولى وصارت وراء ظهورنا، اليوم يتحدثون عن لغة الإبادة والتهجير ويعدوننا بـ «ريفييرا شرق أوسطية» قد تنافس إمارة دبي إذا حصلت!ليس من باب التكرار ولا التخفي وراء الأبواب قالها نتنياهو ما غيره، «وصلنا قمة جبل الشيخ في سورية وغيّرنا وجه الشرق الأوسط».مفهوم الشرق الأوسط الجديد على الطريقة الإسرائيلية أن يكون خالياً من أي تهديد لأمنها، بدءاً من رأس الناقورة بأقصى نقطة على البحر في جنوب لبنان، وصولاً إلى طهران.هي الآن في «أوج مجدها وعظمتها» وبمقدورها، وفي ظل عهد «ترامب العظيم» أن تقضي على أي مقاومة أو نظام عربي تشتم منه رائحة المواجهة العسكرية أو مجرد تهديد لها.برع «نتنياهو ما غيره» باصطياد الفرصة التاريخية، مع هزيمة المشروع الإيراني في المنطقة وسقوط سورية والضربة القاصمة لقيادة حزب الله وقوته العسكرية، وهذا لم يتم لولا الدعم والمساندة والتأييد الأعمى وغير المحدود من إدارة بايدن وخلفه ترامب.حتى أميركا أسقطت من حساباتها أية خطوط حمر كانت ترسمها لإسرائيل في عهود إدارات سابقة تجاه ما يُعرف بالقضية الفلسطينية ومشروع «الدولتين» التي ولّت وتم دفنها! انظروا ماذا تفعل إسرائيل هذه الأيام…في الدائرة الفلسطينية: استيطان ما تبقى من أراض فلسطينية، بحيث يصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية وحدها إلى مليون مستوطن، بعدما حولوها إلى مربعات أمنية، كذلك الحال بغزة المنكوبة واستجلاب مستوطنين لإنشاء مدن لهم في القطاع بخلاف ما ستقدم عليه إدارة ترامب!في الدائرة اللبنانية: بقاء اليد العسكرية طليقة في عموم الأراضي اللبنانية، وبقاء منطقة عازلة على الحدود مع الجنوب والتحكم في أرضه عبر خمس تلال مرتفعة.في الدائرة السورية: أن تكون كل سورية بلداً منزوع السلاح وليس فقط القنيطرة والجنوب السوري، وذلك بالتوغل إلى الداخل كلما أرادت ورأت ذلك، وإنشاء مناطق عازلة على الحدود، رؤية سورية فدرالية مقسمة مع منطقة حكم ذاتي للدروز وأخرى للأكراد وثالثة للسنّة ورابعة للعلويين، هي اليوم تهدد بالتدخل لحماية الدروز في دمشق، وأبسط دليل ما فعلته تجاه أحداث جرمانا خلال الأسبوع الأخير.باختصار، سيكون لإسرائيل «وكلاؤها» في المنطقة، تماماً كما فعلت إيران في مشروعها الذي تهاوى سريعاً وبشكل مفاجئ، وبالتالي ستعزز من وضع شركائها في الخليج والعرب عموماً، بعد أن تجاوزت مرحلة التطبيع، وانتقلت إلى مرحلة التدخل والهندسة ورسم الخرائط وتعديل موازين القوى التي تراها مناسبة لأمنها القومي.نحن أمام معادلة جديدة ظهرت فيها إسرائيل الكبرى والرادعة على خريطة جغرافية رسمتها حكومة نتنياهو بمهارة، وبتوافق كامل مع الإدارة الأميركية… وسط غياب أي قوة عربية مؤثرة، وعلى خلفية احتلال أرض فلسطينية وتهجير شعبها كأنه صفحة وطويت!