عندما سألت المدير العام لغرفة التجارة والصناعة السيد أحمد الهارون بحكم عمله مع الراحل ‘أبو الحارث’ ولمدة ثماني سنوات اجاب: ‘فقدنا احد الصروح الرئيسية الاقتصادية’، وهي خسارة من الصعب تعويضها، وان كان لنا الأمل بجيل نشأ وتربى في كنف ذلك الرعيل الاول والمؤسس.
عبدالرزاق الزيد الخالد، يستذكره معاصروه بكثير من الحسرة وهو شعور انساني عادة ما يتم التعبير عنه في حالة فقدان عزيزِ وايضا يستذكرونه بكثير من الاحترام والتقدير، لمكانته ولدوره الاجتماعي والوطني ومساهماته التي تحدث عنها من تناول وفاته وسيرته.
لم يكن عبدالرزاق الزيد الخالد، شخصا عابرا في هذا الوطن، بل حاضرا ومشاركا في بنيانه ومؤسساته سواء الرسمية منها او ما يعود للقطاع الخاص وللتجار الوطنيين.
امتلك ذاكرة حديدية، اشبه بموسوعة متنقلة، تختزن بداخلها، معظم تفاصيل الشأن الثقافي والسياسي والاقتصادي.
عنده الشجاعة الادبية في طرح الموضوعات وقول ما يراه، وبجرأة متناهية، حتى وان أغضبت مستمعيه، فهو من النوع الذي اسقط المحاباة من حساباته عندما تكون المصلحة الوطنية والهم الاقتصادي هما الفيصل في الرأي والقرار.
من القلائل الذين كانوا يضعون مصلحة الكويت فوق أي اعتبار، ويتعاطون معها بمعايير جدية لا تقبل الازدواجية والخلط بين المصالح الشخصية وهموم البلد، وبذلك كان من التجار والوطنيين النادرين الذين اوجدوا توازنا بين القضايا القومية والوطنية وبين الشأن الخاص.
لعب دور الناصح لاصحاب القرار والقيادة العليا في الدولة، وهو دور لم يكن ليحصل، لولا تلك الخصال التي جمعها في شخصه، مثل الشجاعة بالرأي والتشدد بالنصح اذا لزم الامر، وكان نصحه هذا مقبولا من اصحاب الشأن لمعرفتهم التامة بان عبدالرزاق الزيد الخالد، من اسرة ومن موقع يؤهلانه لان يؤخذ باستشارته.
عروبي حتى النخاع، مع انه ترك حركة القوميين العرب منذ الانشقاق التاريخي المعروف، الا انه بقي وفيا لانتمائه ومشاركا بهموم امته وان خرج منها حاكم داس بدباباته بلدا عربيا مجاورا.
وعندما وقع الغزو المشؤوم اتخذ من القاهرة مقرا مؤقتا له وكان منزله عبارة عن ديوانية مفتوحة جمعت اصدقاءه كالدكتور خلدون النقيب وغيره، يبثون في جلساتهم ألمهم على ما حصل من نكبة كانت بمثابة الطعنة في الظهر الى ان عقد مؤتمر جدة الشعبي، ويقوم الراحل بدور مؤثر وفعال وصامت، ويخرج المؤتمر بوثيقته المعهودة والقائمة على المبايعة لآل الصباح بالحكم والتمسك بالدستور والديموقراطية نهجا له.
احد التجار الذين وضعوا تواقيعهم واسماءهم في العريضة المشهورة التي خرجت بعد حل مجلس الامة عام 1986 تطالب بعودة المجلس والحياة الديموقراطية الى الكويت.
ومع انه امتهن التجارة مبكرا الا انه نشأ في عائلة مارست العمل السياسي، وكان أول تاجر كويتي ينقل اعماله الى خارج بلده، حيث قام ببناء خطوط شركة التابلاين من السعودية الى لبنان على البحر المتوسطِ ومن عرف الراحل عن قرب يعدد فيه مزايا وصفات لرجالات كبار، كما يشرح ذلك الدكتور خلدون النقيب، بانه متواضع جدا، ومنفتح على الناس، يتباسط مع الصغير قبل الكبير ويقيم صداقات مع مختلف الطبقات والاعمارِ حقا، كان شخصية نادرة افتقدها اهله واصدقاؤه، وقبل كل شيء، وطنه الكويت، فرحمة الله عليك يا أبا الحارث.
صور تحكي جزءا من حياة وتاريخ عبدالرزاق الزيد الخالد، الذي رحل الى جوار ربه، نتوقف امامها، نقرأ فيها سيرة الرجل مع رفاق له عايشوه في مراحل عمره المختلفة بمواقعها وبسنواتها.