اذا ما تيسر لك أن تشاهد الفضائية العراقية هذه الأيام، فلن يفارق وجهك، صورة ‘القائد’ صدام بجانب مسجد الصخرة، مصحوبا بالأهازيج والاغاني الشعبية والوطنية.
ومن أسعفه العمر وكان ملما بتاريخ السياسة العراقية، فلن يفاجأ بهذا الاسلوب، الذي يجعل من صورة ‘القائد’ بجانب مسجد الصخرة، المنقذ الذي تنتظره جماهير الشعب الفلسطيني.
بدون توقف
والذين توقفوا أمام تلك المشاهد، استرجعوا شريط اللقطات، المتقطعة، والمتواصلة في ملف العلاقات العراقية – الفلسطينية وآخرها، في القمة العربية بعمان، ودعوة ‘القائد’ الى ‘تجييش الجيوش’ من اجل تحرير فلسطين من النهر الى البحر، هكذا وبدون توقف وبدفعة واحدة!.
القدس أولا
لقد انعقد مؤتمر القمة تحت شعار ‘القدس’ كتعبير واقعي لدى الزعماء العرب بأهمية هذا الموضوع وبكونه المحور الرئيسي الذي يشغل اهتماماتهم.
وزاد من جدية التوجه حض العراق باقي القادة العرب التركيز على ‘القضية’ وتجاهل مناقشة الوضع العراقي أو أي موضوعات تتعلق به.
وعنده، أي صدام، ‘ان العراق لا يريد ان ينشغل في بحث جماعي ويشغل الآخرين من الحكام العرب الذين يحضرون اجتماع القمة بأي شأن من شؤون العراق’.
هزيمة الصهاينة
وللتأكيد على ‘صدقية’ هذا الموقف، أمر ‘القائد’ بتزويد عزة ابراهيم بنص خطاب، سجل من ضمن وثائق الجامعة العربية، وفيه تأكيد على تلازم ‘العروبة بالايمان’ وهي صيغة كفيلة، اذا ما استرشد بها القادة العرب، باتمام هزيمة ‘الصهاينة’ الذين توعدهم بجيش ‘آخره في بغداد وأوله يهز الفرائص’.
وبدلا من أن تخرج القمة ببيانات ومواقف تعكس حقيقة شعاراتهم، تحولت الى منتدى للحوار والمناقشة والمماحكات، وكأن كلام الليل يمحوه النهار، وكمثل الحالات السابقة، تصبح الاتهامات والاتهامات المتبادلة هي ما يطفو على السطح ويبقى وما عدا ذلك يحفظ بالخزائن.
ارتباط المسارين
أحد الصحافيين العرب والذين تواجدوا في عمان نظر لموضوع الارتباط العراقي بالشأن الفلسطيني وكأنه شبيه بحالة المسار السوري – اللبناني، أي اننا اصبحنا ‘بمسارين’ بعد أن كنا بمسار واحد، فالوضع العراقي بكل تعقيداته، سيبقى مفتوحا وان بدرجات مختلفة، الى ان يستقيم الوضع في فلسطين، وربما في باقي الجبهات العربية المنتظرة لتأخذ دورا في التسوية!.
وفلسطين لم تكن دخيلة على النظام البعثي في العراق ولا هي بضيفة مستجدة على الشأن السياسي الداخلي ومن منطلقات ‘قومية’.
فالاحتضان العراقي للمسألة الفلسطينية، رافق هذا البلد منذ بداياته الأولى، وفي كل جولة من محطات النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي، كان البعد العراقي في فلسطين، حاضرا، وبقوة، يكاد لا ينفك عنها.
لكن هذا التلازم، كان في صورة كبيرة منه، على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته.
‘بعثنة’ القضية
لا أحد يتجاهل ان هناك تضحيات من قبل العراقيين في ‘المشاركة’ بالحروب العربية ضد اسرائيل وان كان هذا الحديث يحتاج الى وقفة ثانية وشرح مطول، ليكون التقييم موضوعيا ودقيقا، لكن هناك توافق عند الغالبية من المتعاطين بملف العلاقات العراقية – الفلسطينية، بأن نظام صدام حسين بالتحديد ومنذ عام 1968ومن لحظة الانقلاب والتفرد بالقرار، عمل على ‘بعثنة’ القضية الفلسطينية، أي بجعلها اكثر بعثية، من خلال جبهة التحرير العربية، وهي احدى واجهات البعث الفلسطينية، والأخطر من ذلك، اختطافها ووضعها ‘كرهينة’ الى حين الطلب، والتستر بغطاء فلسطيني، إما انقاذا لتوريطات النظام من مآزقه وأخطائه وإما تهربا من مواجهة، كما حدث اثناء احتلاله للكويت، عندما ربط انسحابه منها، بانسحاب اسرائيلي من كافة الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة، وكذلك بانسحاب القوات السورية من لبنان عام 1990.
تبلد وجمود
واحتلت ‘القضية’ من جديد قلب الهم العراقي وبصورة تراجيدية، لا تخلو من الألم والحسرة على فكر سياسي تلبس بالعقم والجمود ولم يعد قادرا على تغيير الدم في عروقه، أي انه اصيب بمرض تصلب الشرايين.
تحرير فلسطين
عودة سريعة الى رصد صورة فلسطين لدى النظام منذ ما بعد عام 1991 ولغاية اليوم، ربما تساعد على الاقتراب أكثر من التعاطي العراقي بقضية العرب الأولى والكبرى.
الخطاب الاعلامي العراقي يتحدث عن مواقف قومية لا عودة عنها ولا تراجع، ويعتبر ان سياسة الولايات المتحدة الاميركية العدائية تجاهه نابعة من كونه يشكل ‘خطورة بالغة’ على اسرائيل ويقلب موازين القوى لصالح العرب والقضية الفلسطينية، وبالتالي فهو محجوز في خانة الاستهداف الدائم، مقابل ذلك، بقي العراق ‘أمينا’ على القضية الفلسطينية وفي أحلك الظروف، كما تجيد وسائل الاعلام في العراق تقديمه للرأي العام الفلسطيني.
إنجازات بالخطابات
ومن وحي تلك الروابط، والقائمة على رفض الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين قررت ‘القيادة العليا’ في بغداد فتح باب التطوع والتدريب على السلاح امام العراقيين ‘لتحرير فلسطين’ والتبرع بخمسة ملايين يورو لدعم انتفاضة الأقصى، وكان ذلك سنة 2000 ومن ذاك التاريخ يمكن أن نحصي ولو بايجاز شديد ماذا قدم العراق وماذا أعطى ‘للقضية’:
– اعتبار شهداء الانتفاضة مثل شهداء أم المعارك.
– فتح جبهة الجنوب اللبناني أمام الفلسطينيين وليس العراقيين!
– المطالبة بقطعة أرض صغيرة مجاورة لاسرائيل للقضاء على الصهيونية.
– اقتصار مؤتمر القمة العربي على بحث القضية الفلسطينية فقط.
– ترحيل جميع اليهود الذين هاجروا الى فلسطين عام 1948.
– 6.5 ملايين عراقي متطوع للقتال من اجل تحرير فلسطين.
– تشكيل جيش لتحرير فلسطين من البحر الى النهر.
– صدام يؤكد ان العراق مستعد لقصف اسرائيل لمدة 6 اشهر بدون توقف لتحرير ولو مترين من الأرض.
– تجهيز المدافع ‘الفتح’ و’النصر’ ذات العيار 155 بانتظار أوامر من ‘القائد’ صدام.
– تشكيل 21 فرقة من المتطوعين لتشكيل جيش القدس.
– تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني ومن النهر الى البحر.
بعد كل هذه السنوات، لم يعد بالامكان دفن رؤوسنا في الرمال، والاستمراء بلعبة تهييج الشارع الفلسطيني، ودغدغة مشاعره واحاسيسه بشعارات تطرب لها الاذان.
لقد صار من اللازم العمل وباقل قدر من الصدقية بسياسات واقعية، تنقذ لنا ما تبقى من ارض وشعب، وتأخذ بالحسبان ان الاستفراد بالحل بطريقة انا أو لا احد، لن تجلب غير التعاسة.