عندما سئل بيتر هين، وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطاني: لماذا لا تؤيدون الدعوة لارسال قوات دولية لحماية الفلسطينيين من الجرائم الاسرائيلية، أجاب: ‘لا اذكر انه كانت هناك سابقة لقيام الأمم المتحدة بارسال قوات للفصل بين جانبين يتحاربان فعلا’.
وعندما تم تذكيره بما حدث في كوسوفو، شرح الموقف بأن الأمم المتحدة لم تدخل هناك الا بعد حدوث انسحاب من جانب الصرب، وجرى ذلك في سيراليون ايضا ولكن في ظل ‘اتفاق سلام’.
وأيا كان التبرير الذي ساقه الدبلوماسي البريطاني بأن فكرة الحماية الدولية لا تقدم حلا للمشكلة، الا ان تلك الدعوة استحوذت على الاهتمام والمناشدة من مستويات فلسطينية وعربية مختلفة.
فعرب 1948 والذين يصل عددهم الى مليون نسمة يحملون الجنسية الاسرائيلية مارست عليهم اسرائيل سلوكا عنصريا وشجعت المستوطنين على ارتكاب جرائم قتل بحقهم، وقامت بمحاولات تطهير عرقي وديني، دفعت النواب العرب والقيادات السياسية لطرح الاستعانة ‘بحماية دولية’.
كذلك الأمر، تمسك الفلسطينيون بالضفة الغربية وقطاع غزة، بشرط توفير ‘الحماية الدولية’ للسكان المدنيين، من جراء الجرائم الوحشية التي ارتكبت بحقهم أثناء اشتعال الانتفاضة الشعبية.
ومع تصاعد اعمال العنف الاسرائيلية المتواصلة، دعا المجلس الوطني الفلسطيني، المجتمع الدولي الى توفير ‘الحماية الدولية’ من هجمات الجيش الاسرائيلي.
عربيا، أدرج القادة العرب في بيانهم الختامي، لمؤتمر القمة الذي عقد بشأن القضية الفلسطينية، بندا يطالب فيه ان يتولى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة مسؤولية توفير الحماية اللازمة للشعب الفلسطيني، وذلك بالنظر في تشكيل قوة او وجود دولي لهذا الغرض.
هذا التحرك وتلك الدعوة وصلا الى مجلس الأمن، وبطلب فلسطيني، بارسال ‘قوة مراقبة’ من الأمم المتحدة الى الضفة الغربية وقطاع غزة، لكنه لم يتخذ قرارا نهائيا بهذا الشأن! لأنه يحتاج الى ‘مناقشة جادة’ من قبل اعضاء المجلس، على حد تعبير رئيس الدورة، وهو ما لم يتوفر في هذا الوقت.
طبعا، مندوبة الولايات المتحدة الاميركية، عللت الرفض بان فرض ارسال قوة يتطلب موافقة الطرفين المعنيين، اي الفلسطينيين والاسرائيليين.
والسؤال الآن هو: لماذا استجاب المجتمع الدولي للتدخل السريع وفي حالات سابقة كما فعل في كوسوفو وتيمور الشرقية مثلا وفي وقت قصير، ولم يفعل الشيء نفسه في فلسطين؟.
وهل هي ‘بدعة’ ان ترسل الأمم المتحدة قوة للفصل بين القوات او بغرض الحماية لشعب يتعرض للابادة واعمال عنف؟.
للإجابة عن تلك الاسئلة، نستعرض تجربتين ما زالتا ماثلتين للعيان، وهما تجربة تيمور الشرقية ثم تجربة كوسوفو.
لكن قبل الدخول في وقائع تلك ‘الموقعتين’ ومقارنتهما بما حصل ويحصل في الأراضي الفلسطينية، لا بد من التوضيح حول ملابسات كل منهما:
أولا: ان ‘الحماية الدولية’ من قبل الأمم المتحدة لكوسوفو وتيمور الشرقية، لم تأخذ صفة الحماية بمعناها القانوني، اي جعل السيادة بتلك الاقاليم من اختصاص الامم المتحدة، بل كانت في حدود الاشراف على الشأن المدني ومن ثم تسهيل نقل الادارات والمؤسسات المدنية الى من يمثلها.
ثانيا: سبق دخول قوات حفظ السلام وهي عبارة عن قوات شرطة وموظفين مدنيين، دخول قوات متعددة الجنسيات من منظومة الحلف الاطلسي التي تولت عمليات ‘تنظيف’ وتأمين الاستقرار الامني في مواجهة المتمردين في تيمور الشرقية او بعمليات جوية واسعة النطاق ضد يوغسلافيا واجبارها على الانسحاب من كوسوفو وهو دور لا تستطيع الامم المتحدة القيام به.
ثالثا: حصول توافق دولي بالمصالح والأدوار قادته الادارة الاميركية مع حلفائها وهذا ما لم يحصل في حالة الوضع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، بسبب العلاقة الاستراتيجية وغيرها بين واشنطن وتل ابيب وعدم وجود قرار دولي من ‘الخمسة الكبار’ بجعل عرب 1948 داخل الخط الاخضر تحت الحماية الدولية، أو بإعادة القضية الفلسطينية الى قاعة مجلس الأمن ونقطة لبداية حل بعدما دخلت في أطوار من المفاوضات والتسويات والاعترافات، لا تتناسب وصيغة التدخل الدولي، على غرار ما حدث في كوسوفو او تيمور الشرقية.
ومهما كانت تلك الاجتهادات بالتحليل والمقارنة، يبقى الوقوف على خلفيات ونتائج التجربتين جدير بالقراءة والمراجعة.
تتلخص تجربة تيمور الشرقية بحسب وقائعها بما يلي:
اندلعت أعمال عنف وقتل ومواجهات دموية بين القوات الاندونيسية وبين السكان الرافضين لهذا الحكم عام 1999،وعلى اثر ذلك، استجابت الحكومة لعمل تسوية، بأن وافقت، تحت وقع اعمال العنف والضغوط الدولية، على استفتاء شعبي، يتحدد من خلاله، أما بقاؤها ـ اي الجزر ـ تحت الحكم الاندونيسي او الانفصال وكانت النتيجة اعلان الاستقلال بعد استعمار دام 23 عاما.
تبع ذلك تدخل الدول العظمى ذات الوزن الثقيل بارسال قوات متعددة الجنسيات تحت قيادة استرالياِ تولت مهام عسكرية خطرة وأوقفت موجات القتل والجرائم، قامت بعمليات ‘تنظيف’ كاملة لكل انواع التمرد وبسطت سيطرتها على انحاء تيمور الشرقية وذلك في غضون خمسة اشهر على دخولها.
ثم غادرت تلك القوات لتسلم المهمة الى ثمانية آلاف رجل من افراد قوات حفظ السلام التابعين للأمم المتحدةِ وتتزامن مع خروج انسحاب آخر جندي اندونيسي لتنهي بذلك اي وجود عسكري لها، بعد ان قدم الرئيس الاندونيسي اعتذارا من الشعب التيموري على الجرائم التي ارتكبت بحقه.
وقامت الأمم المتحدة بتعيين شخص بصفة رئيس يمارس سلطة الحكم الاداري لادارة البلاد، ويشرف على انتقال الادارة والمؤسسات الى اشخاص محليين.
أما قضية كوسوفو فيمكن عرضها بالتالي:
تعرض هذا الاقليم الذي تنتمي اغلبية سكانه الى اصول البانية لعمليات تهجير جماعية وابادة عرقية من قبل الصرب وعلى مدى عشر سنوات من الحكم الدكتاتوري الصارم بزعامة سلوبودان ميلوسيفيتش.
تدخل المجتمع الدولي بزعامةاميركا و’جيش’ له حلفاء للمشاركة في أوسع عملية جوية استمرت 11 اسبوعا ‘لتأديب’ النظام الصربي، بهدف اجباره على ايقاف عمليات التطهير العرقي لمئات الآلاف من البان كوسوفو وسحب قواته من هذا الاقليم تحت الضربات القسرية والمدمرةِِ فلماذا كانت النتيجة؟.
تم فرض حل سياسي تمثل باصدار قرار من مجلس الامن يحمل الرقم 1244، يعطي ‘الرخصة’ لدخول 50 الف جندي من قوات حلف الاطلسي الى كوسوفو ومشروطا بانسحاب كامل للقوات المسلحة اليوغسلافية، ثم قرار آخر يقضي بانشاء هيئة خاصة تتبع للأمم المتحدة تتولى القيام بادارة الاقليم ‘المدنية’.
مهمة قوات ‘كفور’ وهو الاسم المختصر لحملة الحلف الاطلسي تحددت بتأمين الظروف الامنية ومراقبة وقف اطلاق النار وضمان العودة الآمنة لمليون لاجئ الباني الى ديارهم والأهم من كل ذلك العمل على تيسير العملية السياسية التي ترمي الى تحديد الوضع المستقبلي لكوسوفو.
دخلت هذه القوات بعملية انتشار واسعة غطت كل المناطق، متزامنة مع انسحاب القوات الصربية.
أما بعثة الأمم المتحدة التي بلغ عدد افرادها 4000 موظف وشرطي، فقد استهدفت ضمان تنفيذ كافة متطلبات الحكم الذاتي الموسع بما في ذلك انتقال الادارات والمؤسسات وتنظيمها الى ممثلين لهذا الاقليم.
ومنذ يونيو عام 1999 وهو تاريخ البدء بتولي الحماية الدولية، ولغاية اليوم، أكملت قوة ‘كفور’ وقوة ‘يونميك’ معظم المهام المنوطة بها، اي جعل كوسوفو خالية من القوات المسلحة الصربية وقطع أي ارتباط بها مع بلغراد وعودة اللاجئين الى منازلهم.
لكن المشكلة لم تنته عند هذا الحد، فقد بقي الخلاف على تفسير القرار 1244، خصوصا بعد اجراء أول انتخابات بلدية حرة وباشراف الامم المتحدة وهي، هل هذا القرار يمنح البان كوسوفو حق تقرير المصير ام يعطيهم فقط حكما ذاتيا موسعا إنما ضمن السيادة اليوغسلافية؟.
وهل اجراء تلك الانتخابات سينتج عنه اعلان دولة مستقلة من جانب واحد وتشكيل حكومة تدير شؤون البلاد، أم ان ‘الاستقلال التام’ امر غير مرغوب فيه؟.
وهل تبقى كوسوفو محمية دولية أم يتفجر الصراع مرة جديدة تحت عنوان معركة الاستقلال؟.