من الصعب ان تعثر على روح النكتة في الشخصية الإيرانية، الا ان مجلة ‘غل آغا’ وتعني بالفارسية ‘السيد الورد’ حملت وجها جديدا لم يكن مألوفا في الحياة السياسية، عندما نشرت صورة كاريكاتيرية تعكس فقدان الثقة بين بغداد وطهران، تصور وزير الخارجية كمال خرازي وهو يصافح صدام حسين ليسأله: ‘هل أنت فعلا أنت’؟.
وما بين تلك الصورة الكاريكاتيرية وما يحدث على الأرض شيء من الواقعية السياسية.
ونظرة للشريط التلفزيوني المثبت في سجل الزيارات المكوكية بين الطرفين احدثها مهمة رياض القيسي، ترسم لنا ملامح التقارب القادم بين البلدين.
والحقيقة انها ليست المرة الأولى التي يعرض فيها العراق استعداده لوقف اي نشاط ل ‘مجاهدي خلق’ من اراضيه، فقد سبق له ان وجه رسائل جس نبض للقيادة الايرانية في مراحل مختلفة، عندما كان يشتد عليه الحصار او يتعرض فيه النظام الى ازمات داخلية او ‘مؤامرات’ خارجية ولم يكن يلق الجواب الشافي.
المعنيون بهذا التنظيم الايراني المعارض يخشون اقتراب النهاية لتواجدهم في الاراضي العراقية بعدما قطعت سياسات التطبيع بين البلدين اشواطا مهمة يكاد يكون لقاء رياض القيسي، المنسق الفعلي للملف الايراني في وزارة الخارجية الواقية مع أقرانه في طهران، المحطة الاخيرة فيه، منذ اجتماع كاراكاس في فنزويلا في العاشر من اكتوبر سنة 2000 بين الرئيس خاتمي ونائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان.
وطوال أكثر من عشرين سنة شكلت ‘مجاهدي خلق’ حالة ‘العقدة المستعصية’ في العلاقات الايرانية ـ العراقية استخدمها الطرفان لاغراض تخدم مصالحهما.
ومنذ هروبهم من طهران عام 1981 واتخاذهم فرنسا مقرا لهم، ثم انتقالهم الى بغداد وهم يطرحون حضورهم كبند اول من البنود الخلافية في علاقات بغداد وطهران، تبعا لأحوال المد والجزر والحروب بينهماِ واستقرارهم في العراق منذ عام 1987 لم يكن ليأخذ هذا الزخم والفعل لولا المساندة العسكرية وكل اشكال الدعم من النظام العراقي، أملا في استخدامهم كورقة ضغط ضد النظام في ايران، وهو ما حقق مكاسب على الأرض سواء للنظام أو ‘للمجاهدين’.
وازاء ذلك، كان لدى الطرف الآخر، وعلى اثر هزيمة العراق عام 1991 وتصاعد الانتفاضة الشعبية في البصرة، رديف مواز، بل اخطر من المجاهدين وهو قوات ‘فيلق بدر’ والمعارضة الاسلامية العراقية، التي وجدت دعما وتأييدا كاملين من القيادة الايرانية.
الى هنا والمعادلة بين الجارين اللدودين باتت واضحة، فكل طرف يمسك بأوراق للضغط على الطرف الآخر، والمعارضة احدى هذه الأوراق، وهذا ما جعل المراقبين يستبعدون عودة طبيعية للعلاقات طالما بقيت الفئات المعارضة تمارس نشاطها وتلقى دعما من قبل البلدينِِ على الرغم من ظهور اشارات إعلامية ترافقت مع وجود القيسي في طهران تفيد بأن الدولتين في سبيلهما للاتفاق على إيقاف الدعم المالي الايراني لتلفزيون ‘الانتفاضة’ الذي يبث باسم المعارضة العراقية في طهران، مقابل اغلاق العراق لتلفزيون ‘مجاهدي خلق’ من بغداد.
إذن، ما الذي استجد على الساحة السياسية، ليدفع بالعراق الى ‘التضحية’ بورقة مجاهدي خلق؟
نظرة على المشهد الجيوسياسي المحيط بالعراق واستمرار حالة العقوبات التي ما زالت آثارها تعطي مفاعيلها، تساعد على تكوين تصور بأن البوابة الايرانية هي أقرب المنافذ للخروج من المأزق، تماما كما هي حال الدخول عبر البوابة السورية.
فالجوار الجغرافي بدءا من الكويت والسعودية مرورا بتركيا والاردن، غير قابل ‘لتعويم’ النظام والقدرة على ‘حمله’، لذلك كان ‘خيار السلام’ مع طهران هو الأمثل.
فالمحور الايراني ـ العراقي تتوفر فيه مقومات تغيير المعادلات في المنطقة الخليجية والعربية وهذا ما يسعى اليه العراق حاليا وتجاريه في ذلك ايران، وعبر سلسلة من المواقف والتحركات للوصول الى قواعد مشتركة للتعايش، منها لقاء خاتمي ورمضان في مدينة كاراكاس الذي بحثا فيه كل ‘مسألة ثنائية’ وبتفهم كامل للنقاط الغامضة، حتى يكون هناك ‘مستقبل طيب’ للجميع، على حد تعبير محمد علي ابطحي، مدير مكتب الرئيس الايراني.
وبحسب التحليلات السياسية والروايات الاعلامية، فقد شكل هذا اللقاء نقطة تحول رئيسية اعادت الى الطاولة احياء اتفاقية الجزائر لعام 1975 ووضع آلية متفق عليها لترسيم اطول حدود مشتركة في المنطقة الخليجية.
وبطبيعة الحال، فقد كانت ‘المعارضات’ السياسية والعسكرية في كل منهما، حاضرة في المناقشات والتأكيد على ان تكون لكل دولة ‘سيطرتها التامة’ عليهما؟.
لم تمض ايام على ذلك اللقاء، حتى تبعته زيارة وزير النقل العراقي لمعرض طهران الدولي ومفاتحة المسؤولين في موضوع الطائرات العراقية المودعة وامكانية صيانتها من قبل الفنيين العراقيين، وكذلك السماح للطائرات الروسية المتجهة الى بغداد بالمرور عبر الاجواء الايرانية وامكان ربط ايران بالعراق بشبكة طرق برية وسكك حديدية تصل ما بين البصرة ومدينة المحمرة في الاهواز.
استمر التواصل بين الطرفين، وتجدد العزم على استكمال التطبيع، بعد اجتماع جرى بين وزيري خارجية البلدين في نيويورك وحل كل القضايا العالقة بينهما في العاشر من شهر نوفمبر لسنة 2000، من خلال اللجان الخمس المشتركة.
ثم جاءت زيارة كمال خرازي الى بغداد في الرابع عشر من نوفمبر الماضي وهي الأولى منذ عشر سنوات لتتوج لقاء مع صدام حسين وبما يشبه ‘النجاح’ في المهمة، التي اعتبرت ان اتفاقية عام 1975 واحياء عمل اللجان الخمس والمشكلة منذ عام 1997، هي المرجعية التي يتم الاحتكام اليها.
بعد هذا الوصف، يعاد السؤال من جديد: الى ماذا يفضي الأمر في مسار العلاقات، وما هي آفاق التعاون المنظور بينهما؟.
دبلوماسي عربي، يتخذ من الدوحة مقرا له، روى في جلسة خاصة، جمعته مع عدد من الصحافيين العرب المتجولين، رؤيته لمستقبل العلاقات، بالقول: ان ما يحكم بين الجارين اللدودين ليس اتفاقية 1975، ولا عمل اللجان او حتى إظهار النوايا السليمة من الجانبين، بل ذلك الجبل من النار الذي لم ينطفئ لهيبه بعد، وتلك الهوة من عدم الثقة، ناهيك عن مفاعيل القوى الدولية المشاركة في رسم الخرائط والفاعلة في البحار الخليجية والعربية.
هذا التشاؤم في الرؤية المستقبلية يقابله اعتقاد سائد في الأوساط السياسية الخليجية يقول ان النظام في العراق، وبالأخص، الحاكم بأمره وصاحب القرار، لن يجد حرجا في التخلي عن ‘مجاهدي خلق’ كما تخلى عن اتفاقية الجزائر لعام 1975، إذا كان الثمن هو انقاذ ‘وضعه’ وتحقيق مكسب سياسي يعود عليه بالنفع.
لكن المشكلة، حسب هؤلاء، تكمن في الجانب الايراني، الذي سئم من المناورات والألاعيب السياسية العراقية، والذي سيجد حرجا وصعوبة بالغين في مقايضة مجاهدي خلق بالمعارضة الاسلامية واحتضانها لقوات ‘فيلق البدر’ لما يجمع هذه المعارضة من توافق وانسجام بمشروعها الاسلامي وخطها السياسي والديني.
طبعا عودة العلاقات الى مجاريها مسألة تتجاوز التمنيات، لأنها لو كانت تجري وفق هذا المقياس، فلن تجد من يرغب بها أو يتمناها من الجيران او الأعداء، باعتبار ان مستلزمات استمرارية سياسة ‘الاحتواء’ و’الفصل’ مازالت قائمة ولم تكتمل عناصر انهائها.
وماذا بعد؟
قطب عراقي معارض يتخذ من لندن ملجأ له وصف مسلسل اللقاءات العراقية ـ الايرانية بأنه مجرد ‘فورة’ سرعان ما تسقط عند اول اختبار لها، لأن ‘العلاقات الودية’ ستبقى أبعد منالا والمعضلات اكثر تعقيدا، فالملفات الصعبة لم تغلق بعد، فهناك تعويضات حرب السنوات الثماني وتسوية موضوع ايواء الطائرات وترسيم الحدود المشتركة حسب قرار مجلس الامن 598 وغيرها من القضايا العالقة.