قضية الاسبوع ِِِِِ الخوف وحده لا يكفي. لماذا الكويت عرضة للتجارة ‘القذرة’؟ الإعلام متهم ‘بالإثارة’ وفيرونيكا ضحية المعرفة الزائدة

  الكاتب:حمزة عليان

  المصدر: القبس الكويتية

  تاريخ نشر المقال:09/12/2000

الإعلام متهم ‘بالإثارة’ وفيرونيكا ضحية المعرفة الزائدة
بحسب احصاءات الامم المتحدة، فان ‘تهريب’ المخدرات، ما زال يحتل المرتبة الاولى عالميا، كونه من النشاطات غير المشروعة، بعد الاسلحة والبغاء.
وبحسب تقارير المنظمات الدولية المتخصصة، فغالبا ما يتم الجمع ما بين المخدرات وبين الجريمة والبغاء، ووضعهما في سلة واحدة.
لذلك، فالعنوان العائم الشامل لا يلامس الموضوع مباشرة، فعندما نتحدث عن المخدرات، ونتوقف دون ان نحدد ماذا نقصد من وراء ذلك، هل هو التهريب او العائد المالي، او الزراعة او الادمان، فكأنما نتحدث عن ازمة الشرق الاوسط دون ان نأخذ جانبا واحدا بعينه، كأزمة المياه وندرتها، او موضوع التطبيع ونتائجه.
فالتهريب في عالم المخدرات، له آلياته والاحكام الخاصة به اما التعاطي والادمان فهما ايضا محكومان بقواعد ليست بالضرورة مطابقة للتهريب، وهكذا، فالزراعة لها ارضيتها المناسبة، كذلك الحال في شأن البيع والتسويق الذي يسلك طريق التهريب سبيلا للوصول الى مستهلكيه ثم يأتي دور المتاجرين بهذه السلعة المخيفة والاموال التي يجنونها، حيث اصبحت تجارة المخدرات من اهم مصادر الاموال غير المغسولة في العالمِ لتبلغ 500 بليون دولار اميركي في السنة، مما جعلها من اكثر القطاعات التجارية ربحا في العالم.
ما الذي يدعو لان يكون هذا الموضوع، تحت عنوان قضية الاسبوع؟
الحقيقة، انه يصلح لان يكون موضوع الساعة على مدار العام، وليس في اسبوع بعينه، فهذا الوباء المتنقل اصبح مصدر قلق لمعظم المجتمعات على اختلاف مواقعها وانتماءاتها.
اذا كان الامر كذلك فالقلق وحده لا يكفي للتعبير عن حالة الخوف من طغيان هذه الآفة المدمرة التي تزحف باشكال وانواع مختلفة لتندس في الانوف والجيوب.
وحتى لا تلاحقنا تقارير الامم المتحدة، التي تحذر رجال الاعلام من اساءة عرض قضية المخدرات، واعتبارها مجرد مادة للإثارة، بما يأتي باثر عكسي، فاننا سنبقى نعبر عن ‘قلقنا’ بطريقة موضوعية غير مثيرة اولا مكتفين بقدر من المعلومات المنشورة وغير منغمسين في دهاليز عالم المهربين واللصوص المحترفين حتى لا يصيبنا، ما اصاب، الصحافية الايرلندية فيرونيكا غيرين، صحافية التحقيقات، الاكثر شهرة في العالم، والتي نجت من محاولتي اغتيال، على ايدي مجرمي الهيرويين، بسبب ‘معرفتها الاكثر من اللزوم’ عن ‘اسرار عالم المخدرات’ ثم اغتيالها حقيقة فيما بعد.
وما دعانا لقراءة ملف المخدرات، وليس ‘لفتحه’ ما تناهى لعلمنا ولعلم الناس، تلك العمليات التي شهدتها الكويت في حصيلة حملة من المداهمات استمرت حوالي العام، اسفرت عن ‘تجميع’ 1500 كلغ من الحشيش و25 كلغ من الهيرويين و26 كلغ من الأفيون، هذا بخلاف، ما اعلن عنه مؤخرا من ‘القاء القبض’ على 1300 كلغ من الحشيش، عبر مهربين ايرانيين جاؤوا من البحر.
تقول الاحصاءات ان هناك 900 كويتي و190 ايرانيا و100 باكستاني و80 من البدون هم عرابو مافيا تجارة المخدراتِِ!
ماذا يعني هذا الكلام وتلك الاحصاءات؟ بلغة المراقبين و’الباحثين’ عن الشكل الظاهري والمعلن من التجارة المخيفة في المخدرات يظهر ان المحور الايراني ـ الباكستاني، يجد متنفسا له في الساحة الكويتية، ويعمل على اغرائه كسوق استهلاكي يستحق تلك المغامرات التي تتوالى على مسامعنا، من مسافرين يقصدون الكويت بحرا وجوا بهدف الترويج لسلعتهم وعبر وكلاء كويتيين معتمدين، حتى اصبح منظر من يشتبه به وهو يجلس على كرسي الطبيب في مستشفيات الكويت، مدعاة للتنكيت والتندر، خصوصا ان عبارة ‘افرغ حمولته’ التي اجادت بها الزميلة ‘الرأي العام’، كانت موفقة للتعبير عن حالة الافراغ والولادة لحاملي الهرويين والحشيش والافيون القادمين الينا، عبر السموات والبحار المفتوحة والمراقبة في الوقت نفسه.
لكن لماذا الكويت عرضة لهذه التجارة القذرة؟
العارفون بخفايا الصورة، وبالطبع نحن لسنا منهم، يعللون ذلك بالقول ان المخدرات شأنها شأن اي سلعة للاستهلاك الآدمي تقوم على قاعدة العرض والطلب، وبما ان الطلب آخذ في الازدياد، والوكلاء ايضا يزدادون، من الباطن، او من الخارج، فمن الطبيعي ان تكون الكميات تتناسب مع الطلب، خصوصا إذا كان المصدر في متناول اليد، او قريبا على خط تجارة المخدرات مثل ايران وافغانستان.
فإيران تعتبر معبرا رئيسيا لهذه السلعة ‘القذرة’، وهي تعاني، كما الكويت، من تلك ‘المؤامرة الدخيلة’ عليها، فإذا كانت الكويت تخوض حربا بالمواسم على تجار ومهربي المخدرات، فإن ايران وكما يعبر عن ‘حالها’ احد الصحافيين المتجولين فيها، اضطرت لبناء ‘سد’ على حدودها المتاخمة لافغانستان بكلفة 75 مليون دولار، كمرحلة أولى مجهز بكاميرات الكترونية وابراج مراقبة وخنادق ‘لصيد المهربين’ وعلى طول 450 كلم، وهي المسافة الحدودية بين البلدين، وبوضع اكثر من عشرين الف عسكري لهذه المهمة.
ليس ذلك فقط بل طالبت ‘الغرب’ وتقصد بالاشارة، الولايات المتحدة الاميركية، المشاركة في مكافحة المخدرات، إما بتقديم مساعدات مالية لايران وافغانستان او بتسهيلات من شأنها القضاء على المهربين والمتاجرين.
نصل الى المصدر، اي الى افغانستان، حيث زراعة ‘الخشخاش’ بالعربي الفصحى، والافيون بلغة السوق، حيث وصل العام الماضي الى 4600 طن، الأمر الذي جعلها تحتل المرتبة الأولى في انتاجه على مستوى العالم، وهذا الواقع مسلم به من الجميع، عدا القائمين على شؤون الحكم في كابول، لأنهم يتهمون موسكو وواشنطن معا بأنهما يدعمان تهريب المخدرات، على حد زعم الملا محمد عمر، زعيم حركة الطالبان، وبأنهما متضررتان من ‘جهود الطالبان’ بالقضاء على زراعة الخشخاش، والسبب يعود في رأيه لقرار الحظر الذي اتخذته الحركة بمنع زراعة هذه ‘النبتة الشيطانية’ ليس لأنه محرم أو ممنوعِِ بل لأن انتاج السنة حقق فائضا في السوق العالمي، مما جعلهم يفرضون هذا الحظر في سنة 2000، املا في الحصول على مكافأة مالية او سياسية، كرفع العقوبات، او بادخالهم في منظومة الهيئة الدولية او بنزع صفة الارهاب عنهم.
ومهما كان من ‘ميعان’ الحالة الحشيشية الخاصة ‘بالمركز’ فإن الدراسات الموثقة تؤكد ان هناك دولتين فقط في العالم تستأثران بزراعة الافيون وبانتاجه وهما افغانستان وبورما وبنسبة تصل الى 90% عالميا.
تبقى قضية المخدرات من المسائل العويصة في مكافحتها، والحد منها، فهي لم تترك فئة من فئات المجتمع الا واغوته بحبها، حتى ‘حاخامات’ اسرائيل دخلوا اللعبة مؤخرا، واكتشفت الشرطة امرهم اثناء ادخالهم مليون ونصف المليون حبة ‘كبتاغون’ وبقيمة 15 مليون دولار، لو تم ترويجها، لتمكن المهربون من ‘إغراق المجتمع الاسرائيلي بها’.
وبات تجار المخدرات اقرب الى صفة ‘رجال الاعمال’ العصريين منهم الى المهربين، كونهم يستخدمون التكنولوجيا الحديثة ويعملون على مستوى دولي بتنوع منتجاتهم.
فتجارة المخدرات تتميز بقدرتها على ‘التكيف’ مع اذواق المستهلكين واستثمار التغيير وابتكار حيل جديدة للترويج وتغيير العادات والانماط الاستهلاكية للمتعاطين لها.
ومشكلة المخدرات لم تعد محصورة فقط في تهريبها أو انتاجها بل فيما يعرف بالمخدرات ‘التخليقية’ خاصة منشطات الامفيتامين والتي تنتشر بسرعة كبيرة وتحمل اسماء طريفة مثل ‘النشوة’ و’السرعة’ و’الثلج’ ومشكلتها انها تصنع بسهولة لأنها عبارة عن خلطة مواد كيماوية.
انما يبقى الطلب على انواع المخدرات الطبيعية، اي التي لا تدخل فيها اي مواد كيماوية، وان كانت اكثر سعرا واصعب ثقلا، واعقد تصنيعا.

المخدرات - الكويت / التهريب - الكويت / المخدرات - إيران / مكافحة المخدرات - إيران / المخدرات - أفغانستان / الصحفيون - إيرلندا الجنوبية / الإغتيالات - إيرلندا الجنوبية / غيرين، فيرونيكا

تعليقات

Facebook
Twitter

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *