من المبكر وضع سيناريوهات مختلقة، باستبعاد التصديق على اتفاقية الدفاع المشترك، حتى وان تعلق الامر باجراءات دستورية، يقتضيها كل نظام سياسي.
فالموضوع اصبح بحكم المنتهي بعد موافقة قادة الدول الخليجية الست، والمسألة لا تعدو ان تكون مجرد شكليات قانونية متبعة في الدول المعنية.
وباقرار قمة المنامة لتلك الاتفاقية، فان مرحلة جديدة من العمل العسكري تخرج الى العلن بعد عشرين سنة من اعلان مجلس التعاون.
المراقبون لهذا الحدث اعتبروا ان اقرار الاتفاقية جاء متأخرا جدا اذا ما أخذنا بالاعتبار حدثين رئيسيين : الأول ان ولادة ‘المجلس’ بالاساس كانت ذات بعد امني وعسكري، وفي رحم حرب السنوات الثماني بين العراق وايران.
والثاني هو كارثة الغزو العراقي لدولة عضو في منظومة المجلس وهي الكويتِ وهو ما كان يستدعي التحرك العاجل، لما له من تداعيات على المستوى الاستراتيجي ويقتضي من هذا ‘التكتل’ المبادرة، بفعل عسكري يكون من اهل البيت، يتناسب وحجم الكارثة، ويمثل الرد الفعلي على نقطة الضعف المركزية في جدار هذا الاقليم، وهو غياب القوة الرادعة والقادرة على ملء الفراغ والوقوف بوجه اي اعتداء يتعرض له احد بلدان المجلس.
وما شهدته مدينة المنامة مع بداية الالفية الجديدة كان بحد ذاته حاجة لدول المنطقة قبل ان يكون مشروع مصلحة لاي طرف.
ربما كانت الدواعي العسكرية هي التي حالت دون نشر الاتفاقية بنصوصها الكاملة، او ان النشر في مثل هذه الحالة يؤدي الى عكس الغرض منها، خصوصا ان الكويت مثلا، ملزمة بعرض الاتفاقية على مجلس الامة قبل ان تأخذ طريقها لوسائل الاعلام.
وعلى الرغم من ذلك، بقيت الاتفاقية مجرد عناوين للصحف، مع بعض التسريبات من الوفود الاعلامية، التي اشارت الى ان قوات درع الجزيرة ستصل الى 22 الف عسكري، بدلا من خمسة الاف، وهذا يعني انها في سبيلها لكي تتحول الى قوة للانتشار السريع، على غرار، قوات حلف الاطلسي او قوات الدفاع الاوروبية المستقلة، وهي نوع من القوات المتخصصة والمدربة والمسلحة للتدخل السريع في الازمات الكبرى.
عمليا، وبلغة الارقام فان الرقم 22 الف جندي يمثل حوالي ثلث عدد القوات المسلحة النظامية والعسكرية في بلدان مجلس التعاون، والبالغ حوالي 120 الف جندي.
ومن الان ولغاية ‘ايداع’ الوثائق المصدقة من قبل دول المجلس، سيكون محور التساؤلات، وباللغة المبسطة، هو:هل توقيع اتفاقية الدفاع المشترك تعني ان اي دولة تتعرض لاي اعتداء ومهما كان مصدره، سيكون ملزما لباقي الدول، او لتلك القوات، الرد على ذلك الاعتداء؟ وهل مباشرة تلك القوات بعددها وبأمينها العام المنتظر اعلان اسمه، تمهد لان تحل هذه ‘القوة الخليجية’ مكان القوات الاميركية والبريطانية مستقبلا، او في المدى المنظور؟ وبتعبير اكثر وضوحا، هل تستطيع الكويت على سبيل المثال، باعتبار انها الدولة الوحيدة التي تعرضت لاعتداء خارجي واحتلال مرير، ان تستغني عن وجود القوات الاميركية والبريطانية او تطرح هذا التواجد على بساط البحث؟
وهل يمكن بالتالي ان تسقط هذه القوة الخليجية دور القوات الاجنبية في موضوع الحماية والامن الاقليمي، الذي كثيرا ما تحول الى نقطة للتجاذب والخلاف السياسي بين دول الخليج العربي واخرين ممن يرفعون لهجة العداء ضد التواجد الاميركي، وبين الحركات الاصولية التي شنت ‘حربا جهادية’ ضد هذا التواجد الغربي؟
اسئلة مثارة وان كانت الاجابات عنها رهنا بالتطورات اللاحقة وما سيطرأ عليها، سواء لجهة عوامل التهديد من الداخل، اي من الدائرة الاقليمية، او لجهة عوامل التهديد من الخارج.
ما يعنينا في هذه العجالة، ذلك الخطاب الذي وجهه الامير عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، وفيه تشريح وتوصيف كاملان ‘لحالة’ مجلس التعاون التي اصبحت مثالا على البيروقراطية والترهل من كثرة البيانات والتصريحات والقرارات التي لا تجد طريقها الى التنفيذ.
ولعل ربط هذا الواقع المزري مع ما تم اتخاذه من توقيع للاتفاقية الدفاعية المشتركة، هو ما دفعه للقول، بانه من ‘العبث’ التحدث عن جبهة عسكرية موحدة في غياب جبهة سياسية موحدة ومتجانسة’؟.
وببساطة شديدة، فهذا الحديث هو بمثابة انذار مبكر، للذين يتعاطون مع قيام ‘جبهة عسكرية موحدة’ وكأنه بات في متناول اليد، مع ان رؤيته قد تكون منالا عسيرا.
المحللون السياسيون والاعلاميون الذين تابعوا ما جرى في المنامة، اسقطوا من فكرهم حصول او قيام قوة دفاعية موحدة على النمط الاوروبي او الاطلسي في ظل ظروف سياسية وعسكرية بالغة التعقيد بسبب خبرتهم وقناعتهم، بان من الصعب ان تترجم تلك الاتفاقية الى واقع عملي وفعال، ما لم يكن هناك قرار سياسي موحد ومتجانس يجمع الدول الست، سلما ام حربا.
الواقع ان تأسيس قوة دفاع مشتركة كانت بندا دائما على جدول الاعمال منذ الثمانينات ولم تتخل دول الخليج عن هذا الهدف، مع علمها بالصعوبات التي يمكن ان تواجهها، بتحويله الى ‘تكامل عسكري’ وان كانت تلك الصعوبات مماثلة لتلك التي واجهتها مجموعات دول اخرى سعت لدمج دفاعاتها.
ومن الطرائف التي تداولت على مستوى وسائل الاعلام، حول غياب معايير التوحيد بين الجيوش الستة، كما ذكرها خبير عسكري على اطلاع بما يحدث ان دولا تستخدم النظام المتري في حين ان دولا اخرى تستخدم البوصة كوحدة قياس، واذا ما دخلت دبابة قطرية على سبيل المثال للتزود بالوقود من مستودع في السعودية فان خرطوم الوقود المستخدم في السعودية لا يصلح لذلك!!
والحقيقة الثابتة، ان المملكة العربية السعودية بادرت وفي اكثر من مناسبة الى تذليل الصعوبات وعرضت عام 1997 استعدادها لتخصيص مقر دائم لقوات درع الجزيرة على نفقتها الخاصة، حيث يرابط في منطقة حفر الباطن حوالي 8 الاف جندي منذ انشائها عام 1986 وهذه القوة اصبحت عام 1998 في حجم فرقة عسكرية متحركة.
وقبل حوالي السنتين خطت دول المجلس الخليجي باتجاه مشروع حزام التعاون الامني والشبكة الادارية الموحدة وتوفير الاتصالات، وهما المشروعان المؤمل افتتاحهما هذا العام ويستهدفان اقامة شبكة اتصالات امنية تربط ما بين القيادات الدفاعية في دول التعاون الخليجي ويعملان على زيادة فعالية ربط مراكز العمليات وادامة المعلومات وتعزيز المساندة في العمليات الحربية.
اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك، مولود اخر وجديد يضاف الى سجل مجلس التعاون، اسوة بالاتفاقية العربية للدفاع المشترك، وهي الاتفاقية التي لم تخرج من الادراج في وقت الشدة، بل كانت على الدوام رمزا لعدم التجانس العربي في مواجهة الازمات والاعتداءات، فهل تكون شقيقتها الخليجية افضل حالا منهاِ ان تتساوى معها؟