مفردات الحياة السياسية في لبنان تكاد تضاهي مجمع اللغة العربية في القاهرة بفرادتها لكثرة ما تنتج مصلحات حديثة، لها من الغرابة والطرافة ما يجعل القارئ في حيرة من أمرهِِ وعلى سبيل المثال، مفهوم أن تتحدث عن العلاقات اللبنانية – السورية ‘كدولتين’ مستقلتين، لكن ان تتحدث عن العلاقات السورية – الجنبلاطية، فتلك بدعة لم يأت احد بمثلها.
ما ان انتهت ‘فترة العقوبة السورية’ القسرية كما وصفها احد الاعلاميين اللبنانيين المخضرمين على وليد جنبلاط، حتى عاد هذا الاسم ليتصدر العناوين الرئيسية في الصحف اللبنانية ويبشر الشعب اللبناني، ان انهاء القطيعة لا يعني المصالحة، بل هو استئناف للحوار! بعدما فتحت دمشق ابوابها له اثر اقفال دام حوالي ثلاثة أشهر.
يصلح لأن يكون نموذجا، لكيفية تعامل النظام السوري مع ‘الزعامات اللبنانية’ التي تخرج عن طوعه او تفكر بالابتعاد عن فلكه والحدود التي يمكن أن تذهب اليها.
فتح حوارا مع المسيحيين والموارنة تحديدا قبل الانتخابات النيابية الاخيرة وذهب الى حيث يشاؤون وبالخطاب الذي يحصد منه حوارا وطنيا وأصواتا انتخابية، وطرق أبوابا كانت موصدة بفعل عدم السماح بالتلاقي، وعندما كسر المحظور بتناوله قضية ‘انهاء’ الوجود العسكري السوري أو ‘إعادة انتشاره’ ظهر من يصفه بانه ‘عميل لاسرائيل’ ويهدده بالتصفية الجسدية، ويشيع اخبارا بمنع دخوله كنائب او زعيم ينال تسهيلات معينة بالتنقل على الطريق العسكري بين البلدين الى سوريا، ويسمح له فقط ‘كمواطن’ مع ان سوريا نفت ذلك رسميا!.
وليد بك جنبلاط، من اسرة درزية لبنانية، لها حضورها السياسي والاجتماعي، ورث الزعامة عن والده كمال جنبلاط الذي ذهب في عملية اغتيال سياسية سنة 1977.
تحتار أين تضعه، في خانة المعارضة أم في صف الموالاة، شخصية غريبة، سرعان ما يبدل تحالفاته ويغيرها، ان خاصم فجر وإن هادن لان وجبر، فمرة مع الرئيس الحريري حتى ‘العظم’ ومرة ضده حتى ‘القصر’.
وليد جنبلاط، رقم صعب في المعادلة السياسية اللبنانية، من الصعب أن يتخطاه احد، فحصته من الكعكة يقاتل من أجلها وان لم يستطع تبق ‘المساومة’ خياره الاخير.
اشتراكي بالواجهة، ديموقراطي بالسياسة، عام 1996 وفي عهد آخر حكومة حريرية، قال كلاما بحق رئيس الوزراء في حينه وبحق النظام ما يجعلك تحترم هذا الرجل حتى وان تقلب بمواقفه، كما يتقلب الطقس وبسرعة قياسية، وبصراحته، تلك سجل ان هناك ‘ابتلاعا معينا من قبل سلطة المال لسلطة السياسي، ويجب ان تتشكل معارضة قوية لاصلاح الخلل في هذا النظام الذي يتجه نحو الاستئثار بكل مقدرات وأموال البلد’.
تحالفاته السياسية، لا تعرف الثبات فهي أشبه بالزئبق، تتمايل حسب اتجاهات الريح وغيرها فما يقوله بالأمس يمحوه اليوم والعكس صحيح، وعندما سئل قبل اربع سنوات تقريبا، ماذا تفعل؟.
أجاب: انا اقوم بتفسير بعض الأمور للاخوان والاصدقاء في سورياِ ونحن مطلوب منا ألا نتحول الى بؤرة عمالة ومؤامرات على سورياِ ولكن هل يجب ان نطلب من سوريا ان تعطينا دروسا في كل مجريات الأمور في بلدنا؟ لا اعتقد ذلكِ لاننا نغرق السوريين بتفاصيل داخليةِ ولا احد يتصور ان سوريا ستبلع لبنان اقتصادياِ لانه لديهم النظام الاشتراكي وحققوا فيه انجازات، ولا يريدون ان يدخلوا الجرثومة اللبنانية اليهِ ولكنهم متفقون على ان وليد جنبلاط ضرورة في التركيبة الطوائفية الدقيقة.
ولكن في الوقت نفسه يمكن التوصل الى اقتناع بأن هناك بديلا لوليد جنبلاط.
سيرته الذاتية:
من مواليد 1949.
يحمل شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة الاميركية في بيروت عام 1972.
عمل بصحيفة ‘النهار’ لفترة قصيرة.
بويع كزعيم للطائفة الدرزية ولبس عباءة والده بعد اغتياله عام 1977 وترأس الحزب التقدمي الاشتراكي.
قاد حرب الجبل ضد الكتائب والقوات اللبنانية وشارك بمؤتمر الحوار الوطني في جنيف عامي 1983 و1984.
تولى عددا من الوزارات وانتخب نائبا عن الشوف خلفا لأبيه وفي اكثر من دورة .
درزي في الممارسة، عروبي بالانتماء ومع كل ذلك يبقى وليد جنبلاط ‘ملح الزكزكة’ والسياسة في لبنان.
لا يتردد بالاعتراف بأخطائه إذا ما دعت الحاجة الى ذلك، جريء الى حد التهورِ معه او ضده، لا فرق عنده الا في حالة الاقتراب من نفوذه يصالحه في منطقة الشوف وضواحيها.
بالعلن وعلى شاشة التلفزيون قال ان الحريري دفع له 500 ألف دولار لتمويل الانتخابات لذلك وقف معه في السراء والضراء!.
شن حملة قاسية على ‘الاجهزة’ والمخابرات واتهم الرئاسة باعتمادها على تقارير الاجهزة مع أنه اكد في اعترافات سابقة بأن ‘سليم الحص ديموقراطي والرئيس لحود بعدما ترك البدلة العسكرية ولبس المدنية’!.
يعتقد أنه لا ديموقراطية بدون عقد اجتماعيِ هناك ديموقراطية السوق كما هو حاصل اليوم، ديموقراطية النقد وديموقراطية الشركات والمصارف واسعار القطعِ وهناك في المقابل ديموقراطية اجتماعية، وهي موضوع آخر.